أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
47
نثر الدر في المحاضرات
وقال عمرو بن عتبة بن أبي سفيان للوليد : إنك تستنطقني بالأنس بك ، وأكفت من ذلك بالهيبة لك ، وأراك تأمن أشياء أخافها عليك ، فأسكت مطيعا أو أقول مشفقا ؟ قال : كل ذلك مقبول منك ، وللّه فينا علم نحن صائرون إليه ، ونعود فنقول : قال : فقتل بعد أيام . قال العلاء بن المغيرة البندار : قلت للوليد : إني أريد العراق أفلك حاجة يا أمير المؤمنين ؟ قال : نعم ؛ بربط « 1 » من صنعة زربي . قال حمّاد الراوية : دخلت على الوليد بن يزيد وإذا عنده رجلان ؛ فقالا : قد نظرنا فيما أمر به أمير المؤمنين ، فوجدناه يعيش مؤيدا منصورا ، يزجى له الخراج ، وتخلص له قلوب الرعية ثلاثين سنة . قال : فقلت في نفسي : واللّه لأخدعنه كما خدعاه . فقلت : يا أمير المؤمنين ؛ نحن أعلم بالرواية والآثار ، وقد نظرنا في هذا الأمر من قبلهما ، فوجدناك تعيش على ما ذكر أربعين سنة . قال : فنكت في الأرض ثم قال : لا ما قال هذان يغرّني ، ولا ما قلت يبطرني ، واللّه لأجبينّ المال من حلّه جباية من يعيش الأبد ، ولأصرفنّه في حقّه صرف من يموت في غد . وقد روي مثل هذا الكلام عن الوليد بن عبد الملك . يزيد بن الوليد بن عبد الملك « 2 » لما قتل الوليد بن يزيد قام يزيد خطيبا ؛ فحمد اللّه ، وأثنى عليه ، ثم قال : أيّها الناس ؛ واللّه ما خرجت أشرا ولا بطرا ، ولا حرصا على الدنيا ، ولا رغبة في الملك ، وما بي إطراء نفسي ، وإني لظلوم لنفسي إن لم يرحمني ربّي ؛ ولكني خرجت عضبا للّه ولدينه ، وداعيا إلى اللّه ، وإلى سنة نبيه ، لما هدمت معالم الهدى ، وأطفئ نور أهل التقوى ، وظهر الجبار العنيد ، المستحلّ لكلّ
--> ( 1 ) البربط : العود ، فارسي . ( 2 ) هو يزيد بن الوليد بن عبد الملك بن مروان ، ولد سنة 86 ه ، وثار على ابن عمه الوليد بن يزيد وقتله ، وتولى الخلافة سنة 126 ه ، ولم يمكث بها غير خمسة أشهر ، وتوفي في السنة نفسها ، وهو الملقب بالناقص لنقصه الناس من أعطياتهم ما كان زاده الوليد بن يزيد في أعطياتهم ( انظر البداية والنهاية 10 / 12 - 18 ) .